مواقع التكاسل الإنعزالي

بقلم نزار نقفور

أصبح الانخراط في مواقع التواصل الاجتماعي مقياساً لمدى انفتاح الشخص ومواكبته للعصر. وحتى وسائل الاعلام التقليدية أصبحت تخصص فقرات أو صفحات لتغطية أخبار مواقع التواصل الإجتماعي وهذا أمر طبيعي استجابة لرغبات الجمهور. ولسنا هنا في معرض تقييم إيجابيات وسلبيات هذه المواقع بل لتبيان مدى دقة وصفها بمصطلح “مواقع التواصل الإجتماعي”. فبناءً على الممارسات التي تشهدها، هناك إشكالية في كل من الكلمات الثلاث لهذا المصطلح

كلمة مواقع

من المفترض أن تكون صيغة الجمع لكلمة موقع وهو مكان وقوع (بمعنى حصول) الأمر أي مكان حصول التواصل. لكن هذه المواقع كثيراً ما تصبح مكاناً للوقوع (بمعنى السقوط) في دوامة من التراشق بكل ما يخطر وما لا يخطر في البال من بذيء الكلام. وبذلك تكون كلمة مواقع قد أصبحت صيغة الجمع لكلمة “موقعة” ومعناها صدمة أو معركة حيث نشهد أمّ المعارك الكلامية تخاض على هذه المواقع

كلمة التواصل

أما عن الإشكالية في هذه الكلمة فحدّث ولا حرج. فالتواصل الذي من المفترض أن يعني الاتصال بين أكثر من طرف بهدف التقارب والتفاهم فكثيراً ما يتحول على هذه المواقع إلى تنافر وتنافس وتكاذب وتكاسل وتصادم وغيرها الكثير

تنافر: لأن الطريقة التي تخاض بها النقاشات على مواقع التواصل تؤدّي في معظم الأحيان إلى زيادة الهوة بين وجهات النظر المختلفة بدلاً من التقريب بينها

مواقع التواصل نزار نقفورتنافس: لأن هدف الكثيرين من رواد مواقع التواصل هو تسجيل أكبر عدد ممكن من الأصدقاء و”اللايك” ليتحول الأمر إلى سباق محموم بين من يُفترض أن يكونوا أصدقاء

تكاذب: لأن الكثيرين ممن يوصفون بالأصدقاء بلغة مواقع التواصل قد يكونون فعلاً خصوماً أو أشخاصاً لا نكنّ لهم أي ودّ … كي لا نقول أكثر من ذلك. كما أن التعبير عن الإعجاب بالضغط على إشارة لايك (إصبع الإبهام المرفوع) قد يكون الخيارالأسهل لرد الجميل لشخص سبق أن عبرعن إعجابه بإحدى مشاركاتنا في حين أننا كثيراً ما نتمنى ضمناً لو تتيح لنا مواقع التواصل اختيار إشارة أخرى معاكسة للايك: مثلاّ اختيار إصبع آخر غير الإبهام… وخير الأمور أوسطها

تكاسل: لأن الكثيرين  يعتقدون أن اللايك أو بضع كلمات خاوية المعنى ومستهلكة لكثرة تداولها موجهة لصديق على مواقع التواصل تغني عن زيارته إذا كان  مريضاً أو يمر بأزمة ما وبحاجة لدعم معنوي … والكثير يعتقدون أن التعليقات والأفكار التي يقرأونها عن موضوع معيّن على مواقع التواصل الإجتماعي  تجعلهم من أهل الإختصاص في هذا الموضوع وأن قراءة بضعة سطور مبعثرة التقطت من هنا وهناك تغني عن قراءة مصادر أصلية عن هذا الموضوع كالمقالات والكتب

تصادم: وهذه غنية عن الشرح ويمكن استبدالها بأي من هذه الكلمات: التخاصم، التناحر، التذابح، التقاذف، التطاحن …إلخ

كلمة الإجتماعي

 وفي هذه الكلمة تقع الإشكالية الكبرى. فالإجتماع هو الالتقاء والمخالطة والمعاشرة بين الناس. فهل من الإجتماعي أن نرى عدد من الأصدقاء مجتمعين في مكان ما وكل منهم متسمّر أمام هاتفه الذكي يتواصل مع أشخاص بعيدين قد لا يعرف الكثير عنهم ولا يتوجه بكلمة لأصدقائه الجالسين معه على مسافة خطوات؟ وهل من الإجتماعي أن يمضي الإنسان عشرات الساعات على مواقع التواصل ولا يستطيع تخصيص ساعة لزيارة صديق أو قريب أو عزيز؟ وهل من الإجتماعي أن تصبح العلاقة بين الإنسان وآلة أو جهاز يستخدمه لزيارة مواقع افتراضية أهم من علاقته المباشرة بالناس حتى الأقربون؟ أليس ذلك أبعد ما يكون عن الإجتماعي بل ذروة الإنطواء والإنعزال؟

خلاصة

لا شك أن إيجابيات مواقع التواصل الإجتماعي تفوق سلبياتها. لكن استخدامها بطريقة تؤدّي إلى التباعد في تزايد مستمر. لذلك يجب أن يكون الإستخدام السليم لمواقع التواصل الإجتماعي مادة يتم تعليمها في المدارس وهو للأسف مهمة قد تكون صعبة التحقيق حالياً

إن كاتب هذه السطور قد انقطع عن مواقع التواصل الإجتماعي بعد أن وقع في بعض ما تم ذكره أعلاه. ولكن بما أنه يمكن لكل منا أن يتعلم كيف يتجنب السقوط في منزلقات مواقع التواصل الإجتماعي بهدف الاستفادة منها على أفضل وجه، فلقد قرر القيام بذلك ومشاركة تجربته مع كل من يرغب، وما هذا المقال سوى البداية. إنما مهما كثرت وتعددت إيجابيات مواقع التواصل الإجتماعي، يجب أن نتذكر دائماً أنها لا تُغني عن وسائل التواصل الطبيعية: لمسة، همسة، قبلة، وردة، هدية، زيارة، رقصة، حفلة، وليمة، مصافحة … فهي كانت الأفعل والأصدق منذ الأزل وستبقى كذلك إلى الأبد

لقراءة المقال التالي وعنوانه “كلّنا مدمنون” الرجاء الضغط على هذا الرابط

نزار نقفور

Email: nakfoor@tawasul.media للتواصل مع نزار نقفور

لقراءة المقال السابق وعنوانه “نهاركم تصعيد” الرجاء الضغط على هذا الرابط

للتوجه أو العودة إلى الصفحة المركزية

Leave a Reply