النجم الوهمي

 

لا ندّعي في هذه السلسلة من المقالات أننا سنقدم حلاً سهلاً ومضموناً لمن اقتنعوا أنهم مدمنون على مواقع التواصل (راجع مقالنا السابق: كلّنا مدمنون). فالإدمان قد يصل لدرجة تتطلب مساعدة نفسية مختصة نحن لسنا مؤهلين لتقديمها. لكننا نعتقد أن هذه المقالات ستكون مفيدة (وإن بدرجات متفاوتة) لمعظم الذين يريدون التحرر من أسر مواقع التواصل

إن الإدمان على مواقع التواصل له آثار سلبية كثيرة سنشدد هنا على اثنين منها

أولاً: مقدار الوقت الذي تستنزفه مواقع التواصل من حياتنا. فلقد أظهرت دراسة لشركة إپسوس العالمية أن معدل ما يمضيه الفرد المشارك في وسائل التواصل يزيد على الثلاث ساعات ونصف يومياً أي أكثر من ٢٥ ساعة أسبوعياً أو ١٠٠ ساعة شهرياً. تخيلوا فقط التحرر من أسر مواقع التواصلما الذي يمكنكم إنجازه لو حررتم فقط نصف هذا الوقت للقيام بأمور هامة ومفيدة؟ وإذا أضفنا إلى ذلك الوقت الذي نحتاجه للتفكير والبحث عن قصص مثيرة لنشرها على مواقع التواصل بهدف الإستمرار بانتزاع إعجاب الجمهور والتفوق على رفاقنا … يصبح الوقت التي تستنزفه مواقع التواصل من حياتنا اليومية أكثر من 5 أو 6 ساعات يومياً وقد تصل إلى أكثر من 10 ساعات عند المهووسين

ثانياً: والأهم هو الأثر الذي تتركه مواقع التواصل على طريقة تفكيرنا وحياتنا. فالكثير من رواد مواقع التواصل يعيشون حياتهم وكأنهم يشاركون في أحد برامج تلفزيون الواقع يكون فيه صاحب الحساب هو النجم والمُخرِج في نفس الوقت لعرض متواصل ٢٤/٢٤ ساعة جمهوره هم الأصدقاء أو الأتباع. فالنجم لا يقوم بأي أمر دون التفكير بجمهوره ويشعر أنه ملزم بتقديم مشاركات جديدة لجمهوره المتعطش دائماً لأخباره كما يتوهّم هذا النجم. وبما أن نجم العرض هو أيضاً المُخرِج، فإنه غالباً ما يلجأ للتضخيم والتحوير و”التبهير” لكي يستطيع الاستمرار بتقديم قصص جديدة تعجب الجمهور فتصبح حياته الافتراضية على مواقع التواصل منفصمة عن حياته الحقيقية على أرض الواقع

إن الدافع الذي لا يُقاوم لمشاركة كافة الأمور على مواقع التواصل سواء كانت سخيفة أو حميمة يعزز نزعة الأنانية التي هي جزء من الطبيعة البشرية بدلاً من ترويضها. فلقد أظهرت دراسة أن ٨٠٪ مما ننشره على مواقع التواصل هو عن أمور تتعلق بنا شخصياً (ماذا فعلنا اليوم، ماذا اشترينا، ماذا أكلنا …) وكأن الكون يدور حول أنفسنا والجماهير متعطشة لمعرفة أدق التفاصيل عن حياتنا كما تتعطش لمعرفة أدق التفاصيل عن نجوم هوليوود وكرة القدم

إن التنافس هو مكون طبيعي في النفس البشرية. وكما معظم خصائص النفس البشرية فإن التنافس قد يأخذ منحى سلبياً أو إيجابياً تبعاً للأشخاص والظروف. لكن عندما يتعلق الأمر بمواقع التواصل الإجتماعي فإن التنافس غالباً ما يأخذ أشكالاً غير صحية كي لا نقول أكثر من ذلك. وأكثر ما يظهر ذلك حين يغرق النجم في مزيد من التضخيم و”التبهير” وأحياناً “التفنيص” بهدف انتزاع أكبر عدد ممكن من اللايكس التي كلما حصلنا على المزيد منها يصبح العدد السابق غير كافٍ ليشبع نهمنا… تماماً كما يحتاج المدمن على المخدرات إلى المزيد منها بمرور الوقت كي يحصل على نفس درجة الرضى الوهمي الذي كان يحصل عليه سابقاً من جرعات أقل… كل ذلك يزيد من انفصام النجم عن الواقع فيشعر بالإحباط لأنه يعلم في قرارة نفسه أن حياته الفعلية ليست بنفس الروعة والفرح كما يصورها للآخرين على مواقع التواصل

 وما يزيد من شعور النجم بالإحباط هو اعتقاده الخاطئ أن ما ينشره رفاقه المنافسون يعكس حياتهم الفعلية والتي تبدو له أفضل من حياته… فيشعر بنوع من الحسد منهم بينما في الواقع هم أيضاً يشعرون بالحسد منه لينتهي الأمر بمعظم النجوم والجمهور في منافسة لا أفق لها… الرابح فيها خاسر. ففي دراسة أجرتها جامعة ميتشيغان الأمريكية العريقة عام ٢٠١٣ تبيّن أن معظم مستخدمي الفيسبوك هم أقل رضى على حياتهم من غير المستخدمين وأنهم يشعرون بالمزيد من عدم الرضى كلما زاد استخدامهم للفيسبوك

    بناء على كل ما سبق، أما آن الأوان للتحرر من أسر مواقع التواصل؟!؟ ترقبوا برنامجنا العملي في المقالات التالية

 

 نزار نقفور

Email: nakfoor@tawasul.me dia للتواصل مع نزار نقفور

لقراءة المقال الأول عن الموضوع وعنوانه “مواقع التكاسل الإنعزالي” الرجاء الضغط على هذا الرابط

للتوجه أو العودة إلى الصفحة المركزية