كلّنا مدمنون

 كلّنا يعني معظمنا

أول ما يتبادر للأذهان عند ذكر موضوع الإدمان هو الكحول والمخدرات والتبغ. وهذا أمر طبيعي نظراَ للأضرار الصحية والنفسية والإجتماعية  الجسيمة التي تنجم عنها إضافة إلى بعض المحاذير الدينية والأخلاقية والقانونية. لكن الإدمان ظاهرة إنسانية يكاد يكون من المستحيل على أي إنسان عدم الوقوع بها في مرحلة ما من حياته ومن هنا استوحينا عنوان “كلّنا مدمنون”. فهناك الإدمان على العمل، الرياضة، مشاهدة التلفزيون، سماع الموسيقى، القراءة… والتي ينظر إليها في أغلب الأحيان بطريقة إيجابية وتوصف بتعابير مثل الهواية والشغف والالتزام في حين أنها قد تكون إدماناً بكل ما في الكلمة من معنى

تضحية حتى الإدمان

بما أنه قد يصعب على البعض التصديق أن نشاطات إيجابية كالقراءة والعمل والرياضة قد تتحول إلى إدمان مع ما يحمله ذلك من سلبيات… كان لا بد من إعطاء مثال على ذلك رغم أنه قد لا يكون ضرورياً للبعض. إن الأب الذي  يعمل 16 ساعة يومياً (حتى أيام العطل أحياناً)  بحجة تأمين العيش الكريم لعائلته دون أن يكون مضطراً للعمل أكثر من 50 ساعة في الأسبوع لتأمين ذلك… قد يكون مدمناً على العمل. فبذريعة تأمين العيش الكريم لعائلته، يتغيب هذا الأب عن عيد ميلاد إبنه أو عن حفل تخرّجه، أو لا يكون بجانبه أثناء مرضه، ولا يرافق زوجته المريضة لزيارة الطبيب الخ… وقد يصل الأمر بهذا الأب لإهمال صحته بداعي ضرورات العمل معرضاً نفسه لمخاطر قد تكون مميتة… ومن ثم يقال يا له من رجل متفانٍ في العمل ويضحي في سبيل عائلته…  في حين أنه في الواقع مدمن على العمل دون أن يكون بالضرورة مدركاً لذلك، ودون أن ينتقص هذا الإدمان من إخلاصه لعمله وحبه لعائلته أو صدق مشاعره ونواياه الطيبة تجاهها

نحن لا نقول أن الإدمان على العمل أو الرياضة أو القراءة وغيرها هو بخطورة الإدمان على المخدرات والكحول والتبغ التي تبقى الأسوأ وإن بدرجات متفاوتة. بل كل ما نحاول قوله أن الإدمان أوسع انتشاراً مما نعتقد وأن الكثير مما يوصف بطريقة إيجابية هو في الواقع إدمان مقنّع وبذلك نكون كلّنا مدمنون. ولكي لا نفلسف الأمور أكثر مما يجب، إن موضوع هذا المقال هو الإدمان على مواقع التواصل الإجتماعي، فلندخل مباشرة في صلب الموضوع

social media addiction كلنا مدمنون

هل أنتم مدمنون على مواقع التواصل

من خلال مراجعة عشرات الدراسات عن موضوع الإدمان على مواقع التواصل الإجتماعي (وأبرزها للخبيرين جايمي روبرتس و كاي دبليو بيرد) توصلنا إلى بضعة أسئلة تستطيعون من خلال الإجابة عليها معرفة إذا ما كنتم مدمنين على مواقع التواصل

السؤال الأول: هل استخدامكم لمواقع التواصل يؤثّر سلباً على نشاطاتكم الأخرى من اجتماعية ومهنية وترفيهية

السؤال الثاني: هل سبق وأن حاولتم الحد من استخدامكم لمواقع التواصل لتعودوا سريعاً إلى نمط استخدامكم السابق إن لم يكن أكثر

السؤال الثالث: هل تمضون على مواقع التواصل وقتاً أطول مما كنتم قد خصصتم أو حددتم لذلك

السؤال الرابع: هل تخفون عن عائلتكم أو أصدقائكم الحقيقة عن مدى الوقت الذي تمضونه على مواقع التواصل

السؤال الخامس: هل أصبحتم بمرور الوقت أقل رضاً عن عدد الإعجابات (لايك) والتعليقات التي تحصلون عليها من أصدقائكم على مواقع التواصل

السؤال السادس: أثناء قيامكم بنشاطات أخرى بعيداً عن مواقع التواصل، هل كثيراً ما يبقى تفكيركم يدور حول أمور متعلقة بمواقع التواصل؟ على سبيل المثال، ما هو موضوع مشاركتكم التالية … ما الذي يفعله أصدقائكم حالياً على مواقع التواصل… هل هناك من تعليقات جديدة على آخر مشاركاتكم على مواقع التواصل… الخ

السؤال السابع: هل تستخدمون مواقع التواصل للهروب من واقع ما

السؤال الثامن: هل استخدامكم لمواقع التواصل يسبب لكم أي ضرر معنوي أو نفسي؟ كأن تشعروا أحياناً بالإحباط أو الكآبة أو التوتر نتيجة لذلك

السؤال التاسع: هل استخدامكم لمواقع التواصل يسبب لكم أي أذى جسدي؟ كأن تحرموا أنفسكم من النوم الهانئ أو من ممارسة الرياضة والمحافظة على وزن سليم ولياقة بدنية بما يتناسب مع عمركم

إذا أجبتم بنعم على أربعة أو أكثر من هذه الأسئلة، عليكم أن تفكروا جدياً بمدى وطريقة استخدامكم لمواقع التواصل الإجتماعي. ولا  بد من التشديد هنا أن المطلوب ليس بالضرورة الإقلاع نهائياً عن استخدام مواقع التواصل الإجتماعي. فهي ليست كالمخدرات التي كلها سلبيات ومصائب… بل كل ما هو مطلوب التحرر من سلبيات الإدمان على مواقع التواصل والتنعم بايجابياتها العديدة. فإذا اقتنعتم أنكم مدمنون على مواقع التواصل الاجتماعي وقررتم التحرر من الإدمان عليها وليس بالضرورة الإقلاع نهائياً عن استخدامها، تكونوا قد قمتم بالخطوة الأولى والأهم على طريق النجاح في مهمتكم

ماذا بعد؟

سنحاول في مقالاتنا التالية تقديم برنامج عملي مبسّط وقابل للتطبيق على أرض الواقع دون الكثير من التعقيدات (سلسلة من ثلاث مقالات عن التحرر من أسر مواقع التواصل). لكن قبل قراءتها، نأمل أن تتأكدوا إذا ما كنتم واثقين من أنكم مدمنون على استخدام مواقع التواصل الإجتماعي من خلال الإجابة على الأسئلة الواردة في مقالنا السابق. فكما سبق وذكرنا، إنها الخطوة الأولى على طريق الحل. وإذا كانت كلمة “مدمن” ثقيلة الوقع عليكم، استخدموا الكلمات التي تريدونها لوصف مشكلتكم مع مواقع التواصل طالما أنكم مقتنعون بضرورة معالجة هذه المشكلة

ملاحظة: يمكن استخدام الأسئلة أعلاه لكشف الإدمان على أي شيء. على سبيل المثال، تبيّن لي شخصياً أني مدمن على القراءة. طبعاً لن أتوقف عن القراءة. لكني سأعمل على التحرر من هذا الإدمان للتمتع بفوائد القراءة على أفضل وجه

نزار نقفور

Email: nakfoor@tawasul.me dia للتواصل مع نزار نقفور

لقراءة المقال السابق وعنوانه “مواقع التكاسل الإنعزالي” الرجاء الضغط على هذا الرابط

للتوجه أو العودة إلى الصفحة المركزية