وين الدولة ؟

وين الدولةمن الطبيعي أن تعمل كل وسيلة إعلامية على استقطاب أوسع شريحة من الجمهور بتقديم مواد تستجيب لرغبات الشعب الذي يسأل ” وين الدولة “.  لكن أن يصل الأمر بالكثير منها إلى الشعبوية الرخيصة على حساب المنطق والحقيقة…  فذلك مناقض للأخلاق المهنية التي تدّعيها

وين الدولة

لقد أصبح الشغل الشاغل لوسائل الإعلام المنخرطة في هذه الممارسات التسابق على تبنّي قضايا مطلبية قد يكون معظمها مُحِقّ، لكن أسلوب المطالبة بها خاطئ كي لا نقول منحرف. فيصبح الإعلام “البطل” من يفتح منبره “للشعب الغاضب” كي يشتم الدولة اللبنانية ومسؤوليها… والإعلام الجريء من يقف مع الشعب ظالماً أو مظلوماً…  من خلال مقالات أو مقدمات نشرات أخبار يُخيّل للقارئ أو السامع أو المشاهد أن أصحاب وسائل الإعلام هذه والعاملين فيها يتقلّبون في فراشهم طوال الليل وقد جافاهم النوم وجعاً على الشعب المسكين… في حين أن العاقل يعلم أنهم ينامون ملء جفونهم عن شواردها ويسهر الخلق جرّاها ويختصموا… كما قال المتنبي

قبل الغوص في الموضوع، وكي لا نستفز القرّاء من الشعب الموجوع فيلعنوا كاتب المقال ويتوقفوا عن القراءة…  ثم لمواساة أنفسهم من قسوة كلامنا…  يتوجهون إلى إحدى وسائل الإعلام هذه والتي تنكأ جراحهم بدلاً أن تداويها… قبل الغوص في ذلك، نجد أنفسنا ملزمين أن نؤكد ما لا خلاف عليه: الدولة اللبنانية ينخرها الفساد ومقصّرة بحق شعبها الذي يستحق أفضل مما تقدمه الدولة بكثير

لكن السؤال الأكبر والذي لا تجرأ معظم وسائل الإعلام على طرحه: هل نحن (أي الشعب اللبناني) كلّنا ملائكة نقوم بكامل واجباتنا تجاه دولتنا لكن هي لا تبادلنا بالمثل؟ أما قيل كما تكونوا يُولّى عليكم؟ عندما نزل “الشعب” إلى الشارع قائلاً “بدنا نحاسب و كلّن يعني كلّن” … وجدت بعض وسائل الإعلام في ذلك فرصتها لركوب الموجة وتخيّل أصحاب هذه الوسائل أنه عندما تنتصر ” الثورة” سيذكر التاريخ أنهم كانوا من أبطالها بعد أن يكونوا قد تبوّأوا مراكز قيادية في الدولة الجديدة نظراً لتضحياتهم

لم أكن أتوقّع من هذه الوسائل أن تسأل ثوار “بدنا نحاسب… وكلّن يعني كلّن” إذا ما كانوا سيحاسبون آباءهم وأمهاتهم وعائلاتهم الذين انتخبوا نفس النواب مرة بعد أخرى، واستزلموا للزعماء الذين يقولون أنهم مسؤولون عما وصلنا إليه… فذلك أسهل من محاسبة “الدولة” والتي يجب محاسبتها بعد أن نحاسب أنفسنا ومحيطنا المباشر… وهذا أمر في متناول أيدينا بدل التنطّح لمحاسبة دولة لم تقوى حروب أهلية وخارجية على تقويضها… لا لم أكن أتوقع ذلك بل كل ما كنت أتوقعه من وسائل الإعلام تلك بعض الجرأة … والحياء

أما ولم يحصل ذلك، أي لا جرأة على محاسبة النفس ولا حياء، فلا بأس من نكأ جراح وسائل الإعلام تلك تماماً كما ينكأون هم جراح الشعب الذي يدّعون الدفاع عنه. لن نسّمي أية وسيلة إعلامية، ليس خوفاً من فجورهم بل انسجاماً مع مبادئنا التي تستهدف محاربة الممارسات والظواهر الإعلامية المنحرفة وليس الأشخاص والمؤسسات

فمن أين نبدأ؟ إذا غصنا في التفاصيل، سنحتاج إلى مجلدات ولن تكفي مقالات… وإذا اخترنا نماذج معيّنة من هذه الممارسات فقد نقع في خطأ التعميم وهو أحد مآخذنا على تلك الوسلئل الإعلامية. إذاً كي نوصل الفكرة نجد أنفسنا بحكم الضرورة ملزمين بالاكتفاء ببعض الأمثلة على هذه الممارسات الشعبوية المنحرفة، آملين أن لا نقع في الظلم من خلال التعميم

ترقبوا مقالنا التالي الذي سنستعرض فيه بعضاً من هذه الممارسات الشعبوية الرخيصة. وعذراً من وسائل الإعلام التي لا ينطبق عليها ما ذكرناه أعلاه ولا ما سنذكره في مقالنا التالي. بل شكراً لهم على أخلاقياتهم المهنية… لأنّو كلّن مش يعني كلّن

المثال الأول

نزار نقفور